الشيخ محمد هادي معرفة
52
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الشيخ في العقبة . فرجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال « 1 » وقام في نصرة « الصفاتية » وتاب من القول بالعدل وخلق القرآن ، في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ، ورقى كرسيا ونادى بأعلى صوته : « من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي ، أنا فلان بنفلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأنّ اللّه لا تراه الأبصار ، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع ، معتقد للردّ على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ومعايبهم » . « 2 » وأصبح أبو الحسن الأشعري - بعد ذلك - شيخ أهل السنّة والجماعة « 3 » وأخذ مذهبه ينتشر في الناس انتشارا بطيئا حتى أوائل القرن الخامس ، حيث تدخّلت الحكومة تدخّلًا رسميا لفضّ المنازعات المذهبية ، ففي عام 408 أصدر الخليفة القادر باللّه العباسي كتابا ضدّ المعتزلة ، فأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال ، وأنذرهم - إن خالفوا أمره - بحلول النكال والعقوبة . وانتهج السلطان محمود في غزنة نهج الخليفة في بغداد ، في صلب المخالفين ونفيهم وحبسهم ، وأمر بلعنهم على المنابر . قال ابنالجوزي : « وصار ذلك سنّة في الإسلام » . « 4 »
--> ( 1 ) - قال ابنالجوزي في المنتظم ، ص 71 : « إنّ الأشعري ظلّ على مذهب المعتزلة زمانا طويلًا أربعين سنة ثمّ تركه وأتى بمقالة ، خبط بها عقائد الناس » . راجع : هامش الحضارة الإسلامية لآدم متز ، ج 1 ، ص 378 . ( 2 ) - راجع : وفيات الأعيان ، برقم 429 ، ج 3 ، ص 285 . وقد خصّ الأشعري من كتابه « مقالات الإسلاميين » فصولًا مشبعة بعرض آراء المعتزلة . ( 3 ) - هذه السمة وسمه بها أرباب التراجم وأصحاب الحديث من الحشوية ، لاسيّما ابنتيمية الحرّاني في كتابيه : المنهاج والموافقة . وتقدّم عن الشهرستاني في الملل والنحل ، ج 1 ، ص 93 . ( 4 ) - المنتظم ، ص 165 ب . قلت : ولعلّ التنكيل بأمثال هؤلاء كانت سنّة قبل ذلك . فهذا عثمان بنسعيد الدارمي يبتهج بمقتل الجعد بندرهم على يد خالد بنعبداللّه القسري . قال : خطب خالد بواسط يوم الأضحى عام 118 فقال : أيّها النّاس ، ارجعوا فضحّوا تقبل اللّه منّا ومنكم ، فإنّي مضح بالجعد بندرهم . إنّه زعم أنّ اللّه لم يتّخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلّم موسى تكليما ، وتعالى عمّا يقول الجعد بندرهم علوّا كبيرا . ثمّ نزل فذبحه . انظر : الردّ على الجهمية ، ص 4 . والجعد هذا كان معتزليا ، وهو أوّل من قال بخلق القرآن ، ونفي الصفات عن الذات ، وكان يقول بالقدر . نعم كانت له مخاريق فرجع عنها ، منها : أنّه جعل في قارورة ترابا وماء فاستحال دودا وهوام ، فقال : أنا خلقت هذا لأنّي كنت سبب كونه . فبلغ ذلك الإمام جعفر بنمحمد الصادق عليه السلام فقال : فليقل : كم هو ، وكم الذكران منه والإناث ، إن كان خلقه . وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره . فبلغه ذلك فرجع . لسان الميزان لابنحجر ، ج 2 ، ص 105 ؛ والكامل لابنالأثير ، ج 4 ، ص 332 ؛ والأعلام للزركلي ، ج 2 ، ص 114 ؛ والملل والنحل للشهرستاني ، ج 1 ، ص 86 ؛ والبداية والنهاية ، ج 9 ، ص 350 .